أحمد بن علي القلقشندي
309
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
القويّ في ذات اللَّه عمر الذي أصبح به ربع الإسلام عامرا ، ولم يخش في اللَّه عاذلا ولم يرج غادرا ( 1 ) ، ومنهم الأصدق حياء عثمان ملاقي البلوى صابرا ، والخفر الذي لم ير للأذمّة خافرا ، ومنهم أقضاهم عليّ الذي قاتل باغيا وكافرا ، وبات لخوف اللَّه ساهرا ، ورضي اللَّه عن الإمام المهديّ الذي أطلعه نورا باهرا ، وبحرا للعلم زاخرا ، وأتى به والضّلال يجرّ رسه سادرا ، والباطل يثبت وينفي واردا وصادرا ، فجدّد رسم الحقّ وكان داثرا ، وقام بآرائه علما هاديا وقرما ( 2 ) هادرا ، وعن الخلفاء الراشدين المرشدين من أصبح حائدا عن الحقّ جائرا ، المجاهدين خاتلا بالعهد خاترا . أما بعد ، فإنّ اللَّه سبحانه جعل الإمامة للناس عصمة ، ومنجاة من ريب الالتباس ونعمة ، بها تتمهّد عمارة الأرض ، ويتجدّد صلاح الكلّ والبعض ، ولولاها ظهر الخلل ، واختلط المرعيّ والهمل ، وارتكبت المآثم ، واستبيحت المحارم ، واستحلَّت المظالم ، وانتقم من المظلوم الظالم ، وفسد الائتلاف وافترق النّظام ، وتساوى الحلال والحرام ، فاختار لأمرهم رعاة أمرهم بالعدل فعدلوا ، وبالتواصل في ذات اللَّه والتّقاطع فقطعوا في ذات اللَّه ووصلوا ، وعدلوا بين أهليهم وأقربيهم فيما ولَّوا ، ونهضوا بأعباء الكفاية والحماية واستقلَّوا ، وألزمهم الاتّفاق والانقياد ، وحظر عليهم الانشقاق والعناد ، فملكوا بأزمّة العقل قياد الأمور ، وأشرقت بسيرتهم المباركة أقاضي المعمور ، وشاهد الناس فواضل إمامهم ، وتبينوا من سيرتهم العادلة علوّ محلَّهم في الخلائف ومقامهم ، ولم يطرق في مدّتهم للإسلام جناب ، ولا اقتحم له باب ، وأنّى وسيوفهم تقطر من دماء الأعداء ، وبلادهم ساكنة الدّهماء ، والكفرة بالرّعب المخامر والداء العياء ،
--> ( 1 ) أي لم يخف ، وفي بعض النسخ : « ولا يبرح غادرا » ، وهو غير مناسب . حاشية الطبعة الأميرية . والغدر : ضدّ الوفاء ؛ يقال : غدر به ، كضرب وسمع ، غدرا ، وهي غدور وهو غادر وغدّار . انظر القاموس المحيط ( غدر ) . ( 2 ) القرم والمقرم : البعير المكرم لا يحمل عليه ولا يذلَّل ولكن يكون للفحلة ، ومنه قيل للسيّد : قرم ومقرم تشبيها به . مختار الصحاح ( قرم ) .